اليوم العالمي لكبار السن ٢٠٢٠

حماية المسنين خلال جائحة كوفيد - 1 9 وما بعدها

لطالما كان كبار السن يلعبون دوراً مهماً في المجتمع كقادة.

1 أكتوبر٢٠٢٠

المقدمة

على الرغم من الجانب الإيجابي الذي كشفت عنه الزيادة المتسارعة في عدد شريحة كبار السن على الصعيد العالمي، والذي يعكس جودة نسبية في الأنظمة الصحية في العالم أواخر القرن العشرين، إلا أن هذه الزيادة فرضت واقعاً جديداً بمتطلبات وتحديات جديدة، تستدعي وضع استراتيجيات وخططاً مستقبلية أكثر إلحاحاً من ذي قبل، لرعاية هذه الشريحة التي باتت اليوم تتفوق على شريحة الشباب في المجتمع.

ولأن هذه الزيادة ستكون هي الأكبر والأكثر سرعة في العالم النامي، أصبح من الضروري تسليط الضوء على التحديات التي تواجه أفراد هذه الشريحة الاجتماعية في العالم العربي، وبذل جهود مضاعفة ليس فقط في مجال حقوق الأنسان، بل في مجال الرعاية الصحية التي باتت أولوية لجميع شرائح المجتمع في ظل انتشار جائحة كورونا، وفي واقعٍ أكثر قسوة وخاصة على المسنين، وهذا ما يرتكز عليه موضوع المناسبة، الاحتفال باليوم العالمي للمسنين في العام الجاري 2020 الذي حمل شعار :"حماية كبار السن خلال كوفيد -19 وما بعده"


المسنون العرب

تؤكد الإحصائيات الموّثقة أن بين العامين 2019 و2030، من المتوقع ارتفاع عدد الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 60 عاماً أو أكثر بنسبة 38%، من مليار إلى 1.4 مليار، ما يفوق عدد الشباب على مستوى العالم، وقد كشفت للأمم المتحدة الحقائق التالية:

  • بحلول العام 2020، سيفوق عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاما فما فوق عدد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات.
  • على مدى العقود الثلاثة المقبلة، من المتوقع أن يتضاعف عدد كبار السن في جميع أنحاء العالم ليصل إلى أكثر من 1.5 مليار شخص في العام 2050 وسيعيش 80٪ منهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

ووفقاً لشعبة السكان في الأمم المتحدة، فإن عدد سكان المنطقة العربية، الذين تزيد أعمارهم على 60 عاما سيتضاعف تقريبا في غضون 15 عاما، ليرتفع من 27 مليونا في العام 2015 وإلى 50 مليونا في عام 2030، ليصل إلى أكثر من 80 مليونا بحلول عام 2045، وهو رقم مرتفع يوازي تقريباً عدد سكان مصر في العام 2010 الذي بلغ حينها 84 مليون نسمة، أي سيزداد عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً في كل من بلدان المشرق العربي والمغرب العربي بمقدار خمسة أضعاف، وستكون الزيادة ستة أضعاف بالنسبة إلى مجموعة أقل البلدان نمواً، وقد أشار صندوق الأمم المتحدة للسكان، إلى ضرورة وضع استراتيجيات وخطط مستقبلية لرعاية كبار السن، وذلك لأن كل الدول العربية تمر بظاهرة "شيخوخة السكان". ومن هذا المنطلق تناولت دراسات عربية هذا الموضوع، واصبح هذه بعضها فيما بعد استراتيجيات عربية لكبار السن، كما حصل في تونس.

ومن محاور هذه الاستراتيجية:

مكانة كبار السن وأوضاعهم الاجتماعية والمعيشية.

وضع كبار السن في ظل الظروف الراهنة من الصراعات.

الإعلام في خدمة صورة كبار السن وقضاياهم.

الاستراتيجية الصحية

استجابة للتحديات التي ستواجهها فئة السكان التي ستصل إلى الشيخوخة في القرن الحادي والعشرين، وتعزيزاً لتطوير جميع الفئات العمرية، اعتمدت الجمعية العامة الثانية للشيخوخة خطة عمل مدريد الدولية للشيخوخة، والتي تضمنت أهدافها دعوة الشــركاء، بمــا فــي ذلــك المنظمــات الدوليــة والحكوميــة الدوليــة وغيــر الحكوميــة، وكــذلك منظمــات المساعدة الذاتية وغيرها من المنظمات ذات الصلة بـ :

١- تقــديم المســـاندة والإســـهام فــي إنجـــاز الاســـتراتيجية وخطــة العمـــل العـــالميتين بشــأن الشـــيخوخة والصــحة، والتعــاون عنــد القيــام بــذلك، مــع الــدول الأعضــاء ومــع أمانــة منظمــة الصــحة العالميــة إن اقتضت الحاجة.

٢ - تحســين ودعــم عافيــة المســـنين والقـــائمين علــى رعـــايتهم مــن خــلال التـــوفير الكـــافي والمنصـــف للخدمات والمساعدة.

٣ - مساندة البحوث والابتكار وجمع البيانات عما يمكن القيام به لرعاية الصحة في مرحلة الشيخوخة في السياقات المختلفة، بما في ذلك تعميق الوعي بالمحددات الاجتماعية للصحة وأثرها على الشيخوخة.

٤- مســاندة تبــادل المعــارف والخبــرات المبتكــرة، بمــا فـي ذلــك عبـر تعــاون بلــدان العالم، والتعاون الثلاثي بين بلدان العالم والشبكات الإقليمية والعالمية.

٥ - العمل بنشاط في مجال الدعوة للصحة في مرحلة الشيخوخة طيلة العمـر ومكافحـة التمييـز القـائم على العمر.

فالتمتع بالصحة الجيدة هو أحد الحقوق الفردية الحيوية التي لاغنى عنها، وبالنسبة الى الكبار، تتناقص الصحة مع التقدم في السن بشكل عام، والأشخاص الذين يتبنون نمط حياة صحي ونشط من سن مبكرة، هم الفئة الأكثر قابلية للتمتع بالصحة والنشاط عند تقدمهم في العمر.

ويشكل العيش في أوضاع الفقر عاملاً يسهم في تدهور الصحة، لاسيما بالنسبة إلى كبار السن، وقد تراجع العديد من اقتصادات المنطقة في السنوات الأخيرة بسبب الحروب وتداعياتها على الدول المعنية مباشرة وعلى دول الجوار، الأمر الذي زاد من نسبة الفقراء فيها، وبالتالي زيادة الأعباء على الحكومات لمساعدة الفقراء.

ووفقاً لمسح أُجري لدخل الأسر ونفقاتها واستهالكها في مصر في عام 2015 ،فإن أكثر من ربع السكان 28% يعيشون تحت خط الفقر بزيادة تبلغ 11 نقطة مئوية عن العام 2000، وبالنظر إلى أن عدد السكان في مصر ازداد بما يقدر بنحو 25 مليون نسمة منذ العام 2000، يمكن الإستنتاج بسهولة أن عدد الفقراء المصريين قد ازداد بشكل ملحوظ في العقد الماضي أو نحو ذلك، بما في ذلك عدد السكان الأكبر سناً.

ووفقاً للأمم المتحدة فإن التحول الديمُغرافي السريع نحو الشيخوخة سيترك أثراً واضحاً على جميع النواحي الاجتماعية، وقد إلتف العالم حول خطة التنمية المستدامة لعام 2030، حيث إلتزمت جميع البلدان وجميع الجهات صاحبة المصلحة بعدم ترك أحد خلف الركب، واعتزمت ضمان قدرة كل إنسان على تحقيق كامل إمكاناته في ظل الكرامة والمساواة وفي بيئة صحية.

وثمة حاجة عاجلة إلى العمل العالمي المتضافر بشأن التمتع بالصحة في مرحلة الشيخوخة، حيث يوجد بالفعل مليار شخص يبلغون من العمر 60 عاماً أو أكثر، ويعيش معظمهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ويفتقر العديد منهم إلى إمكانية الحصول على الموارد الأساسية اللازمة لحياة ذات معنى وللعيش بكرامة، ويواجه العديد منهم عقبات كثيرة تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة في المجتمع.

وفي سبيل تعزيز هذا الهدف وفقاً لخطة عقد التمتع بالصحة في مرحلة الشيخوخة للعامين 2020 و 2030 سيتعين إحداث تحولات جوهرية منها:

  • تغيير الطريقة التي نفكر ونشعر بها تجاه العمر والشيخوخة.
  • التأكد من أن المجتمعات تعزز قدرات كبار السن.
  • تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والمتكاملة التي تركز وتستجيب لحاجات كبار السن.
  • إتاحة الوصول لرعاية طويلة الأجل لكبار السن الذين يحتاجون إليها.

وقد خطت دولة الإمارات العربية خطوات متقدمة في هذا السياق، ففي أكتوبر 2018، أطلقت حكومة الإمارات، السياسة الوطنية لكبار السن والتي تهدف إلى الارتقاء بجودة حياتهم، وضمان مشاركتهم الفاعلة والمستمرة ضمن النسيج المجتمعي للدولة.

كما وجهت الحكومة بتغيير مصطلح "كبار السن" إلى "كبار المواطنين"، ووفقاً للسياسة الوطنية لكبار المواطنين، سيوفر تأمين صحي خاص بهم ومراكز لتزويدهم بمهارات عصرية ومناشط رياضية وبرامج حسم خاصة بهم، والاستفادة من المتقاعدين في سوق العمل وتصميم بيوت تناسب احتياجاتهم وبرامج لحمايتهم من الإساءة والعنف.

وتتضمن السياسة سبعة محاور أساسية، هي الرعاية الصحية والتواصل المجتمعي والحياة النشطة واستثمار الطاقات والمشاركة المدنية والبنية التحتية والنقل والاستقرار المالي والأمن والسلامة وجودة الحياة المستقبلية.

وبذلت حكومة دولة الامارات جهوداً مقدرة لتوفير الدعم اللازم لهم بإنشاء عدد من الدور والمراكز المتخصصة التي تقدم الرعاية الكاملة لهم، فضلاً عن الضمان الاجتماعي والكثير من الخدمات الأخرى.


رفع مستوى الوعي

عتمد نظم الرعاية الاجتماعية في البلدان العربية اعتماداً كبيراً على الدعم الاجتماعي الأسري أو المجتمعي، ولهذا الأمر أهمية خاصة للأشخاص الذين لا يحصلون على الرعاية الاجتماعية الحكومية، وغياب الرعاية الاجتماعية الرسمية يعود في جانب منه إلى الإهمال الذي يطبع بعض السياسات الحكومية تجاه المسنين وأصحاب الحاجات الخاصة، وفي جانب آخر إلى تبني نهج الذكر عائل الأسرة الذي يعطي الأولوية للنشاط الاقتصادي للرجل الأب، إلا أن مشكلات كبار السن لا تتمثل فقط في المعاناة الجسدية نتيجة لإصابتهم بأمراض الشيخوخة أو بعض الأمراض المزمنة، بل تتعدى ذلك إلى مشاعر البؤس والشقاء الناتجة عن احساسهم بعدم فائدة المجتمع منهم، وإلى مشاعر الوحدة واليأس التي تنتابهم.

ويواجه المسنون في هذه المرحلة العمرية، خاصة في ظل التغيرات المحيطة بهم العديد من الإشكالات والاحتياجات، يتمثل بعضها بما يلي:

  • المشكلات والاحتياجات النفسية للمسنين: مثل مشكلة سن القعود، وهو ما يعرف عادة باسم سن اليأس ويكون مصحوباً باضطراب نفسي أوعقلي، ومشكلة التقاعد وهو ما يشعر الفرد بالقلق على المستقبل والحاضر والخوف والانهيار العصبي، والإصابة بذهان الشيخوخة.
  • المشكلات والاحتياجات الاجتماعية للمسنين: حيث يعاني الإنسان من الحرمان الاجتماعي عندما يفتقد القدرة على حرية الاتصال الاجتماعي طبقاً لحاجته ورغباته، والمسن يعتبر من أكثر فئات المجتمع تعرضاً للحرمان الاجتماعي نظراً لقلة موارده المالية وضعف قواه الجسدية.
  • المشكلات والاحتياجات الاقتصادية: حيث ان نسبة المسنين الذين يتقدمون بطلب مساعدات اقتصادية في تزايد مستمر، والمشكلات الاقتصادية التي يعاني منها المسن ترجع إلى نقص في الموارد المالية نتيجة لتقاعده إجبارياً أو اختيارياً، وبهذا يفتقد المتقاعد جزءاً مهماً من دخله، وبالتالي تزايد الأعباء المالية عليه، وهذا ما قد يعمق شعوره بعدم الأمن الاقتصادي وبالتالي الشعور المستمر بالقلق من أعباء المستقبل.
  • المشكلات والاحتياجات الصحية: وترتبط هذه المشكلات عند المسن بالضعف الصحي العام والضعف الجسدي وضعف الحواس، ويعتبر ضعف السمع ثالث أكبر مشكلة للمسنين بعد الخشونة وارتفاع ضغط الدم، ويكون أكثر عند الرجال منه عند النساء، وتكرار عدم القدرة على سماع الآخرين يعطي المسن شعوراً بعدم التواصل معهم وبالتالي الإحباط والعزلة.

وللتعامل مع هذه المسألة يجب اتباع أسلوب تنمويّ جامع يشمل كافة جوانب الحياة، التي تعين كيفية سلوك الإنسان المسن بما في ذلك مشاركته في عملية التنمية، والجوانب الحياتية المهمة هي :

أ- الأمن الاقتصادي والمالي للمسنين .

ب- حفظ سلامتهم .

جـ- تعليمهم المستمر لمواجهة مشكلات الحياة .

وقد بذلت حكومة دولة الإمارات جهوداً لتوفير الدعم اللازم لهذه الشريحة، من خلال إنشاء عدد من الدور والمراكز المتخصصة التي تقدم الرعاية الكاملة لهم فضلاً عن الضمان الاجتماعي والكثير من الخدمات الأخرى.

وطورت وزارة تنمية المجتمع الخدمات المقدمة لهم، والتي تغطي نواحي الحياة كافة، وتشمل مساعدتهم على العيش في مساكنهم ومع أسرهم في بيئة آمنة مستقرة، فضلاً عن إيواء المحتاج منهم وتأمين الإقامة اللائقة بهم من مأكل وملبس ومشرب، وتقديم جميع أوجه الرعاية الاجتماعية والثقافية والنفسية والتعليمية والصحية والترفيهية، التي تتيح لهم التوافق النفسي وتساعدهم على التكيف الاجتماعي.

وتستمر دولة الإمارات حتى اليوم بتطوير قدراتها لخدمة هذه الاحتياجات والتوعية بها، بهدف توفير قاعدة بيانات متكاملة تتيح تطوير برامج وخدمات بالتعاون مع الجهات الحكومية والخاصة لتحسين جودة حياة كبار السن وضمان سلامتهم، من خلال هيئة تنمية المجتمع التي تعمل بشكل وثيق مع الجهات الحكومية والخاصة من أجل توفير استجابة سريعة وفعالة لكبار المواطنين والمقيمين، ومن المتوقع أن هذه الخطوة ستتيح في المرحلة المقبلة معرفة أوسع حول احتياجات هذه الشريحة.

ونظراً لصعوبة إيجاد فرص العمل المناسبة لمن هم في عمر 60 أو أكثر، فقد أطلقت وزارة تنمية المجتمع بالتعاون مع عدد من المؤسسات الداعمة، برنامج "مشروعي"، وهو عبارة عن برامج تأهيلية للمسنين بعد التقاعد بما يتناسب مع قدراتهم وحقوقهم الانسانية، ولتوظيف مهاراتهم وخبراتهم في مشروعات متنوعة في مجالات مثل الزراعة، والإنتاج، والخدمات الاستشارية، فيما أثبتت الدراسات التي جرت في نقاط متعددة من العالم أن الأفراد في السنين الأولى المشرفة على الشيخوخة إذا كانوا مستعدين لمرحلة الشيخوخة يمكنهم أن يظلوا إلى سنين مديدة (من المسنين الشباب) ومواطنين نشطين منتجين، وهذا بالضبط ما أدركته البلدان المتقدمة وخططت له، وحققت من خلاله نتائج جيدة، وتؤكد الإحصاءات أن قطاعاً مهماً من المسنين ما زال سالماً جسدياً وفعالاً اقتصادياً، الأمر الذي يجعل منهم رأسمالٍ قيم للبلد ومحفوظة حقوقه الانسانية، إلا أن النظام البروقراطي الإداري للتقاعد لا يمنحهم، في أكثر الموارد، فرصة الدخول ميدان العمل رغم ما يملكون من تجارب وخبرات غنية وحصافة وعلاقات متنوعة تسهل عليهم تحقيق الوظائف الكبرى، الأمر الذي نجده مؤثراً في القطاع الخاص من قبيل الأطباء والحقوقيين، والعلماء، والمهندسين، والمدراء التجاريين، بل وحتى الفلاحين في المناطق الريفية

وقد قامت بعض الدول بمراجعة سياستها لإعادة استغلال طاقات كبار السن التي قد تحدث فرقاً واضحاً في الإنتاج، وخاصة بعد مشكلة تسارع الشيخوخة وزيادة معدلاتها، فقامت اليابان برفع سن التقاعد من 65 إلى 70 عاماً، وبالطبع تتفاوت جودة الرعاية من دولة الى أخرى في المنطقة العربية تبعاً لظروف عديدة، أهمها الجانب الاقتصادي، فمثلاً في مصر يعتبر الواقع الحالي لرعاية صحة المسنين فيها جزءاً من علاج البالغين بدون تخصيص خدمات لهذه الفئة العمرية؛ أي أنهم يُعاملون كمرضى بالغين في أقسام المستشفيات بدون وضع حساب للإعتبارات الخاصة للتقدم في السن، بخلاف الفئات الصحية الأخرى ذات الخصوصية مثل الحوامل والأطفال الذين يُعالجون في أقسام طبية مستقلة.


مهنة التمريض

بعد الحديث عن الدور الاجتماعي والمبادرات الدولية والعالمية لدعم المسنين في كل مكان، لابد من تسليط الضوء على أصحاب التأثير والتماس المباشر مع هؤلاء المسنين، سواء في دور ومراكز الرعاية أو في المراكز الصحية، والدور الهام الذي يقوم به العاملون في المجال الصحي الذي يلخص كل تلك الاستراتيجيات ويجسدها على أرض الواقع، حيث يلعب العاملون دوراً محورياً في مواجهة التحديات الحالية التي فرضها انتشار فيروس كورونا، بتحملهم مسؤولية الوقوف في الخطوط الأمامية الأكثر خطورة لدعم المجتمع في ظل هذه الجائحة.

وقد تم الاعتراف في هذا العام كـ"السنة الدولية لكادر التمريض والقبالة "، وسيسلط اليوم العالمي لكبار السن 2020 الضوء على دور القوى العاملة في الرعاية الصحية في المساهمة بصحة كبار السن، مع الاعتراف بشكل خاص بمهنة التمريض والتركيز على دور النساء اللواتي يتم التقليل من قيمتهن نسبياً، إذ أنه من الأمور المهمة جداً التي يمكن القيام بها لتحقيق التغطية الصحية الشاملة وتحسين الصحة في العالم، هو تعزيز قدرات القوى العاملة في مجالي التمريض والقبالة وضمان تمكين الممرضات والقابلات من العمل لتحقيق أقصى إمكاناتهن.

ولكن غالباً ما يُقلّل من شأن الممرضات والقابلات ويعجزن عن تحقيق إمكاناتهن الفعلية، لذا تسعى المنظمة في العام 2020 إلى بلوغ هدف ضمان مزاولة جميع الممرضات والقابلات لعملهن في بيئة غير مؤذية ويحظين فيها باحترام زملائهن المعنيين بالشؤون الطبية وأفراد المجتمع، وتتاح أمامهن خدمة رعاية صحية فعالة ويُدمج فيها عملهن بعمل سائر مهنيي الرعاية الصحية.

لذا يجب أن تحظى الممرضات والقابلات بالتقدير كما ينبغي، وأن يمثلن في إطار الاضطلاع بأدوار قيادية في مجال الصحة لتمكينهن من توجيه السياسات والاستثمارات في هذا المجال، وبإمكانهن إيجاد حلول لمشكلات صحية كثيرة في العالم، من خلال تذليل العقبات المهنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تعترض سبيلهن.


تقليص الفوارق الصحية

الهدف الأهم لخطة مدريد الدولية للشيخوخة التي تنص على ضمان أن يتمكن الأشخاص في كل مكان من التقدم في السن بأمن وكرامة، وأن يواصلوا المشاركة في مجتمعاتهم كمواطنين لهم حقوق كاملة، والتوجهات الثلاثة ذات الأولوية لخطة عمل مدريد هي:

  • كبار السن والتنمية.
  • توفير الخدمات الصحية والرفاه في سن الشيخوخة.
  • كفالة بيئة تمكينية وداعمة.

ويختلف التنفيذ الحكومي للسياسات المستندة إلى خطة عمل مدريد وفقاً للسياقات الوطنية متباينة الاختلاف، وينبغي أن يكون التنفيذ عملية ديناميكية مقترنة بالاستعراض والتقييم وإدارة الشؤون الاجتماعية والاقتصادية، بتشجيع النهج التشاركي المرن المنطلق من القاعدة لرصد خطة عمل مدريد واستعراضها وتقييمها، بحيث تدرك أن تمكين كبار السن من المشاركة في العمليات الرئيسية لوضع السياسات العامة، يتطلب جهودًا خاصة، إن اعتماد مثل هذا النهج على نطاق عالمي لاستعراض إطار دولي مثل خطة عمل مدريد أمر جديد، وهو يعكس الحاجة إلى التسليم والاستعانة بقدرة كبار السن على المساهمة في المجتمع وإلى تيسير مشاركتهم في عمليات صنع القرار على جميع المستويات.


أصبحت رعاية مسني ومسنات العالم العربي في زمن كورونا ذات ثقل أعمق وعبء أكبر، يؤكد أستاذ علم النفس في الجامعة الأميركية بالقاهرة، هاني هنري، أن كل فئة من الفئات العمرية تحتاج إلى تعامل مختلف للحفاظ على هدوئها وصحتها النفسية في هذه الأوقات الصعبة، ولأن المسنين على رأس قائمة الفئات الأكثر عرضة للخطورة، فإن الضغط النفسي الذي يتعرضون له، يحتاجون إلى تعامل هادئ يناسب أعمارهم وكذلك مستوياتهم التعليمية والفكرية والنفسية، لأن هذه الفئة بالغة الحساسية لما ولمنْ حولها.

وقد باتت الأسرة العربية في الفترة الأخيرة في قبضة كورونا؛ فمن جهة تضررت الأوضاع الاقتصادية لملايين الأسر، لا سيما تلك التي تعتمد في معيشتها على العمل الموسمي أو المهن والحرف في القطاع غير الرسمي، ومن جهة أخرى ألقى هذا الثقل الاقتصادي بمزيد من الأعباء على الأسر التي ترعى كبار السن، سواء بتواجدهم مع الأسرة في البيت نفسه، أو حتى في بيوتهم مع الاعتماد المالي أو الاجتماعي أو كليهما على الأبناء والبنات.

وقد أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى إن جائحة كوفيد- 19 تسببت في "خوف ومعاناة لا توصف" لكبار السن في جميع أنحاء العالم الذين يموتون بمعدل أعلى، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين تزيد أعمارهم على 80 عاماً والذين يتجاوز معدل وفياتهم خمسة أضعاف المعدل العالمي.

الامر الذي دفع ببعض الدول العربية لوضع سياسات احترازية عاجلة لحماية المسنين، وتبني منظومة متكاملة لحماية كبار السن من تداعيات انتشار فيروس كورونا وللحفاظ على حقوقهم الانسانية، وتشمل المنظومة توفير الدعم والرعاية الصحية لهم، واتخاذ العديد من الإجراءات الاحترازية والوقائية، وتوجيههم لإلتزام منازلهم وتجنب التجمعات والأماكن المزدحمة حرصاً على سلامتهم.

ففي دولة الامارات مثلاً، تم استحداث خدمات الخط الساخن لمساعدة المسنين على مدار الساعة، بالإضافة إلى توفير عيادات متنقلة في المناطق البعيدة مجهزة بالمعدات اللازمة والطاقم الطبي لتقديم خدمات علاجية واستشارية تشمل خدمات علاج الأسنان، والمختبر الطبي والعلاج الطبيعي وعلاج السكري، وغيرها من خدمات الرعاية الطبية والخدمات التشخيصية والعلاجية لكبار السن وذوي الأمراض المزمنة.

ووفرت حكومة دولة الإمارات خدمات متنوعة لكبار السن، حيث أطلقت وزارة الصحة ووقاية المجتمع مبادرات لدعم الرعاية الصحية لهم، ومنها إنشاء قاعدة بيانات لرصد العمر المتوقع لكبار السن في الدولة وتوسيع برامج الرعاية الصحية والخدمات، وخاصة خدمات الرعاية المنزلية.

وهذا لم يقتصر على كبار المواطنين الإماراتين فقط، إذ كشفت مريم الحمادي مديرة إدارة كبار المواطنين في هيئة تنمية المجتمع بدبي أن الهيئة وضعت ضمن خطتها المستقبلية تقديم بعض الخدمات للمسنين، من غير الإماراتيين، مثل توفير كل احتياجاتهم ورعاية شؤونهم في حال لم يتوفر لديهم من يرعاهم أو يعيشون بمفردهم، مشيرة إلى أنهم يلقون عناية ورعاية كبيرتين من الهيئة من خلال إدراجهم في منظومة الحماية ضد أي إساءة أو إهمال.

فيما يختلف الوضع في بعض الدول العربية الأخرى، بحسب "صندوق الأمم المتحدة للسكان" فإن أوضاع المسنين والمسنات في العالم العربي غير جيدة بشكل عام، كما أن المؤسسات المتخصصة في تقديم الخدمات لهم متواضعة من حيث العدد ونوعية الخدمات وانتظامها وإتاحتها.

من جهة أخرى، فإن نسبة من يحصلون على معاشات تقاعد جيدة في العالم العربي قليلة، وهي من المؤشرات الدالة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكبار السن في الدول العربية، والتي تلقي الضوء على درجة استقلاليتهم المادية وقدراتهم على أن يكفوا احتياجاتهم ذاتياً، وتجدر الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من كبار السن يستمرون في العمل، لا سيما في الأعمال غير المندرجة تحت بند قطاع العمل الرسمي، بعد سن التقاعد، وذلك بسبب ظروف الحياة الصعبة.

وقد ظهرت مبادرات اجتماعية لدعم المسنين خلال جائحة كورونا، مثل مبادرة "أنا حد بلدي" في لبنان التي تؤمن توصيل الطلبات إلى المنازل بالمجان من أجل تشجيع المسنين على البقاء في منازلهم.

© 2021 جمعية الإمارات لحقوق الإنسان
طور بواسطة